أبي منصور الماتريدي
611
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
سورة العصر « 1 » بسم اللّه الرّحمن الرّحيم قوله تعالى : [ سورة العصر ( 103 ) : الآيات 1 إلى 3 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالْعَصْرِ ( 1 ) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ( 2 ) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ( 3 ) قوله - عزّ وجل - : وَالْعَصْرِ . إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ، خرج قوله : وَالْعَصْرِ مخرج القسم ، والقسم موضوع في الشاهد ؛ لتأكيد ما ظهر من الحق الخفي ، أو لنفي شبهة اعترضت ، أو دعوى ادعيت ؛ فكذلك في الغائب . ثم الأصل بعد هذا : أنه ليس في جميع القرآن شيء مما وقع عليه القسم إلا إذا تأمله المرء واستقصى فيه ، وجد فيه المعنى الذي أوجبه القسم لولا القسم . ثم اختلفوا في تأويل قوله : وَالْعَصْرِ : فمنهم من قال : هو الدهر والزمان . ومنهم من قال « 2 » : هو آخر النهار ، فذلك وقت يشتمل على طرفي النهار ، وهو آخر النهار وأول الليل ؛ فكأنه أراد به : الليل والنهار . وقال أبو معاذ : تقول العرب : « لا أكلمك العصران » ، يريدون : الليل والنهار ، وفي مرور الليل والنهار مرور الدهور والأزمنة ؛ لأنهما يأتيان على الدهور والأزمنة وما فيهما ؛ فكان في ذكر الليل والنهار ذكر كل شيء ، والقسم بكل شيء قسم بمنشئه ؛ لأن كل شيء من ذلك [ إذا ] نظرت فيه ، دلك على صانعه ومنشئه . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ، إن الدنيا وما فيها كأنها خلقت وأنشئت متجرا للخلق ، والناس فيها تجار ؛ كما ذكره في غير آي من القرآن ، قال الله - تعالى - : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [ التوبة : 111 ] ، وقال : هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ [ الصف : 10 ] ، أي : إن الإنسان لفي خسار من تجارته ومبايعته إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ . . . الآية . ولقائل أن يقول : كيف استثنى أهل الربح من أهل الخسران ، ولم يستثن أهل الخسران « 3 » من أهل الربح ؟ ! فيقول : « إن الإنسان لفي ربح إلا الذين كفروا » ، واستثناء هذه الفرقة من تلك أولى في العقول من تلك ؟ !
--> ( 1 ) في ب : والعصر . ( 2 ) قاله ابن عباس بنحوه أخرجه ابن المنذر عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 667 ) . ( 3 ) في ب : الخسر .